كامل مصطفى الشيبي

34

شرح ديوان الحلاج

دولتهم في تونس سنة 299 ه / 910 م . ومن غرائب الاتفاقات أن السنة التي أخبر ابن النديم أن فيها « ظهر أمر الحلّاج وانتشر ذكره » « 1 » هي سنة 299 ه ، هذه التي تأسست فيها الدولة الفاطمية . ومن هنا لم يكن غريبا ظهور رقعة من رقاع الحلّاج وفيها قوله لمريد من مريديه : « وقد آن الآن أذانك للدولة الغراء الفاطمية الزهراء المحفوفة بأهل الأرض والسماء . . . ليكشف الحق قناعه ويبسط العدل باعه » « 2 » . ولا بد لنا من وقفة هنا ؛ فالظاهر أن الحلّاج استقى شيئا من أفكاره وأسلوب عمله من الإسماعيلية الباطنية التي لم تكن قد سجلت آراءها الإعلامية ، كما يقال الآن ، في رسائل إخوان الصفا التي ظهرت في البصرة في نحو سنة 352 ه - 963 م وإن كانت على ألسنة الدعاة وفي عقول المريدين وأفهامهم . ومع أن من غير المقنع أن يحال إلى نص متأخر نحو نصف قرن بوصفه منبع فكرة سابقة عليه ، نجد من المفيد تسجيل رأي إخوان الصفا في القربان أو التضحية والفداء في سبيل اللّه وتقسيمهم له إلى قربانين : شرعي وفلسفي على نسق ما فعل الحلّاج في قطعته التي استشهدنا بشطر منها في ما مرّ وضمّناها ديوانه اللاحق لهذه المقدمة . قال إخوان الصفا : « واعلم ، أيها الأخ ، أن القربان كما ذكرنا قربانان : شرعي وفلسفي لا ثالث لهما . فأما القربان الشرعي فهو المأمور به في الحج من ذبح الحيوانات . . . وأما الفلسفي فهو مثل ذلك إلا أن النهاية فيه التقرب بالأجساد إلى اللّه سبحانه وتعالى بتسليمها إلى الموت وترك الخوف كما فعل سقراط لمّا شرب السم » « 3 » . ومن المفيد أيضا أن نشير إلى ظاهرة أخرى تجمع الحلّاج وإخوان

--> ( 1 ) الفهرست ، ص 270 - 284 . ( 2 ) نشوار المحاضرة ص 86 . ( 3 ) رسائل إخوان الصفا 4 / 208 .